محمد الريشهري
3644
ميزان الحكمة
لا يحول بينهم وبين ربهم شئ مما يقع عليه الحس أو يتعلق به الوهم أو تهواه النفس أو يلبسه الشيطان ، فإن كل ما يتراءى لهم ليس إلا آية كاشفة عن الحق المتعال لا حجابا ساترا ، فيفيض عليهم ربهم علم اليقين ، ويكشف لهم عما عنده من الحقائق المستورة عن هذه الأعين المادية العمية بعد ما يرفع الستر فيما بينه وبينهم ، كما يشير إليه قوله تعالى : * ( كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين * وما أدراك ما عليون * كتاب مرقوم * يشهده المقربون ) * ( 1 ) ، وقوله تعالى : * ( كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم ) * ( 2 ) ، وقد تقدم كلام في هذا المعنى في ذيل قوله تعالى : * ( يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم ) * ( 3 ) في الجزء السادس من الكتاب . وبالجملة : هؤلاء في الحقيقة هم المتوكلون على الله المفوضون إليه الراضون بقضائه المسلمون لأمره ، إذ لا يرون إلا خيرا ولا يشاهدون إلا جميلا فيستقر في نفوسهم من الملكات الشريفة والأخلاق الكريمة ما يلائم هذا التوحيد ، فهم مخلصون لله في أخلاقهم كما كانوا مخلصين له في أعمالهم ، هذا معنى إخلاص العبد دينه لله ، قال تعالى : * ( هو الحي لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين ) * ( 4 ) . 4 - وأما إخلاصه تعالى عبده له فهو ما يجده العبد في نفسه من الإخلاص له منسوبا إليه تعالى ، فإن العبد لا يملك من نفسه شيئا إلا بالله ، والله سبحانه هو المالك لما ملكه إياه ، فإخلاصه دينه - وإن شئت فقل : إخلاصه نفسه لله - هو إخلاصه تعالى إياه لنفسه . نعم ههنا شئ وهو أن الله سبحانه خلق بعض عباده هؤلاء على استقامة الفطرة واعتدال الخلقة ، فنشأوا من بادئ الأمر بأذهان وقادة وإدراكات صحيحة ونفوس طاهرة وقلوب سليمة ، فنالوا بمجرد صفاء الفطرة وسلامة النفس من نعمة الإخلاص ما ناله غيرهم بالاجتهاد والكسب بل أعلى وأرقى ، لطهارة داخلهم من التلوث بألواث الموانع والمزاحمات ، والظاهر أن هؤلاء هم المخلصون - بالفتح - لله في عرف القرآن . وهؤلاء هم الأنبياء والأئمة ، وقد نص القرآن بأن الله اجتباهم أي جمعهم لنفسه وأخلصهم لحضرته ، قال تعالى : * ( واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم ) * ( 5 ) ، وقال : * ( هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ) * ( 6 ) . وآتاهم الله سبحانه من العلم ما هو ملكة تعصمهم من اقتراف الذنوب وارتكاب المعاصي ، وتمتنع معه صدور شئ منها عنهم صغيرة أو كبيرة ، وبهذا يمتاز العصمة من العدالة ، فإنهما معا تمنعان من صدور المعصية لكن العصمة يمتنع معها الصدور بخلاف العدالة .
--> ( 1 ) المطففين : 18 - 21 . ( 2 ) التكاثر : 5 ، 6 . ( 3 ) المائدة : 105 . ( 4 ) المؤمن : 65 . ( 5 ) الأنعام : 87 . ( 6 ) الحج : 78 .